القاضي عبد الجبار الهمذاني

49

شرح الأصول الخمسة

فصل : فإن قيل : فما كمال نعم اللّه ، قلنا : لا سبيل لنا إلى علم ذلك مفصلا وإنما نعلم على سبيل الجملة أن جميع ما بنا من النعم ؛ أصولها وفروعها ، مبتدؤها ومنشؤها من قبل اللّه تعالى ومن عنده . ولهذا قال تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] . ولا يمكننا عدها على سبيل التفصيل نعمة فنعمة ، ولذلك قال جل وعز : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ النحل : 18 ] الآية بين أنه لا يمكن عد نعمه أجمع وإحصاؤها . فإن قيل : إذا لم يمكنكم معرفة نعم اللّه تعالى بأجمعها فكيف توجبون الشكر عليها ؟ قلنا : إنا لا نوجب الشكر عليها مفصلا ، وإنما نقول : إنه يجب شكره على سبيل الجملة . فإن قيل : كيف يمكنكم شكر نعمه تعالى على سبيل الجملة مع أنه لا يمكن شكره إلا بنعمة متجددة ؟ قلنا : إذا كنا شكرناه على سبيل الجملة فقد دخل فيه المستمرة والمتجددة جميعا ولا يلزمنا شيء آخر سواه ، إذ لا يكلف اللّه تعالى ما ليس في الوسع ولا في الطاقة . فصل : ثم ذكر رحمه اللّه بعد هذه الجملة « أنه تعالى خلق هذه المنافع لتتكامل نعمته ، وتظهر حكمته جل وعز ، فيجب على المكلف وقد عرضه اللّه تعالى بالتكليف إلى الدرجات العظيمة ، أن يبالغ في شكر نعمته ولا يكفرها ، ويتحدث بها ، ويذكرها ، ويجتهد في أداء عباداته التي هي كالشكر له ، ولا يقصر فيها ، وإذا كان لا يمكنه ذلك إلا بمعرفة جل وعز بتوحيده وعدله ، وجب أن لا يقصر في معرفته ويحصلها بما أمكنه تحصيلها لأن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه . مناقشة حول قول أبي علي بأن معرفة اللّه تترتب على الشكر وهذا منه رحمه اللّه إشارة إلى ما يقوله أبو علي ، من أن وجه وجوب المعرفة وجوب شكر النعمة ، وليس كذلك . لأن شكر نعمة اللّه تعالى إنما يجب على المكلف ، إذا علم أنه خلف هذه المنافع ، وقصد بها وجه الإحسان ، ولا يعلم ذلك إلا بعد معرفة اللّه بتوحيده وعدله ، فلا يترتب وجوب معرفته جل وعز على وجوب شكر نعمته والحال هذه . وأشبه ذلك ما نقوله فيمن اجتاز بمصنعة من ماء وشرب منها ، فكما أنه لا يجب عليه معرفة بانيها ليشكر عليها ، بل إنه إن عرف أنه إنما بناها لينفع الناس ، وقصد ببنائها ذلك شكره وإلا فلا شيء عليه ، كذلك في مسألتنا إن عرف اللّه تعالى ، وعرف